محمد بن وليد الطرطوشي

284

سراج الملوك

وقال بعض الرواة : دخلت مدينة يقال لها ( ذمار ) « 1 » فبينا أنا أطوف في خرابها ، إذ رأيت مكتوبا على قصر خراب : يا من ألحّ عليه الهمّ والفكر * وغيّرت حاله الأيّام والغير « 2 » أما سمعت بما قد قيل في مثل * عند الإياس فأين اللّه والقدر نم للخطوب إذا أحداثها طرقت * واصبر فقد فاز أقوام بما صبروا فكلّ ضيق سيأتي بعده سعة * وكلّ فوت وشيك بعده الظّفر وتحته مكتوب بخط آخر : لو كان كلّ من صبر أعقب الظفر صبرت ، ولكنا نجد الصبر في العاجل يفني العمر ويدني من القبر ، وما كان أصلح لذي العقل موته وهو طفل ، والسلام . قلت لو رأيته لكتبت تحته : في الصبر استعجال الراحة ، وانتظار الفرج ، وحسن الظن بالله ، وأجر بغير حساب . وفي الجزع : استعجال الهمّ ، ونهك البدن ، واستشعار الخيبة ، وسوء الظنّ بالله ، وحمل الإثم مع العقوبة ، وما أحسن بذي العقل اجتناب هذا ، والسلام . وقال بعض البلغاء : من صبر نال المنى ، ومن شكر حصّن النعماء . وقال الشاعر : الصبر مفتاح كلّ خير * وكلّ شرّ به يهون اصبر وإن طالت اللّيالي * فربّما ساعد الحرون « 3 » وربّما نيل باصطبار * ما قيل هيهات لا يكون وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه وعوضه صبرا ، إلّا كان ما عوضه أفضل مما انتزعه منه ، وقرأ : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] . وروي أن جارية كانت لعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، تتصرف في حوائجه ، فكلما خرجت تصدى لها خياط كان بقرب دار علي ، يقول لها :

--> ( 1 ) ذمار : اسم قرية باليمن على مرحلتين من صنعاء ينسب إليها نفر من أهل العلم ، وقال قوم : ذمار اسم لصنعاء ( معجم البلدان ياقوت الحموي ج 3 / ص 7 ) . ( 2 ) غير الدهر : أحواله المتغيرة . ( 3 ) يقال : حرن البغل والحصان إذا وقف ولم ينقد ، وحرن العسل في الخلية إذا لزق فعسر نزعه .